يمتد الموطن الأصلي لطائر الزرزور من القطب الشمالي حتى خط الاستواء أي أوروبا وأجزاء من آسيا وشمال إفريقيا، إلا أنه من المؤكد لم يستوطن القارة الأميركية بقسميها الشمالي والجنوبي، لكن ذلك كله تغير أواخر القرن التاسع عشر.
في ذلك الوقت، كان في نيويورك رجل اسمه يوجين شيفلين قام عام 1890 بإطلاق مائة من طيور الزرزور في المتنزه المركزي الشهير في مدينة نيويورك على دفعتين، وسرعان انتشرت هذه الطيور وتكاثرت في القارة مثل النار في الهشيم.
اليوم يوجد في أميركا الشمالية وبحسب تقديرات العلماء ما لا يقل عن مائة مليون طير زرزور ويذهب البعض إلى وجود 200 مليون طير، ومهما كان الخلاف حول العدد إلا أنه من المؤكد أن المرء لا بد أن يصادف مئات وربما آلاف من هذه الطيور أينما ولى وجهه في أنحاء القارة.

ومما لا شك فيه أن كل ملايين الزرازير في أميركا الشمالية تنحدر من المائة جد وجدة التي أطلقها شيفلين في نيويورك عام 1890 وهو تصرف أطلق العنان لمخيلة الكثيرين الذين ولذلك حيكت حول بطلنا وزرازيره روايتين:
– الأولى، أنه كان عضواً في جمعية تُسمّى جمعية استقدام الطيور الأجنبية، وعمل على مشروع إعادة توطين فصائل معينة من الطيور في قارة أميركا الشمالية.
– الثانية، أن شيفلين كان مغرما بالأديب الإنجليزي الشهير ويليام شكسبير، وأنه وبصفته خبيراً في الطيور أراد أن يجلب إلى الولايات المتحدة كل الطيور التي ذكرت في مسرحيات شكسبير، حيث أن الزرزور ذكر في مسرحية “هنري السادس – الجزء الأول”. لا يوجد إثبات علمي على صحة الرواية ولكنها منتشرة بشكل واسع.
ويعتبر طائر الزرزور واحداً من أكثر الطيور التي تخطف الأنظار في السماء. قد تراه من بعيد أسود اللون، لكن عندما تقترب منه يلمع ريشه بألوان خضراء وبنفسجية وزرقاء كأنه قطعة صغيرة من قوس قزح وهو كائن اجتماعي يعيش في أسراب ضخمة تتحرك في السماء بتناغم مذهل يشبه أسراب طائرات تقوم ببهلوانيات هوائية.
تسمى تلك العروض الجوية الساحرة باللغة الإنجليزية “المورموريشن” (Murmuration) ولا يوجد لها مقابل محدد في اللغة العربية، ولكن المهم في الموضوع أنها ليست مجرد استعراض جمال، بل هي طريقة ذكية لإرباك الصقور وحماية السرب.
ويتمتع الزرزور بموهبة فذة في تقليد الأصوات، حيث يستطيع أن يقلد طيورًا أخرى، وأحيانًا أصوات البشر والآلات، بفضل جهاز صوتي معقد يجعله واحدًا من أفضل المقلدين في عالم الطيور. هو طائر ذكي يتعلم بسرعة، ويستطيع حل مشكلات بسيطة والتكيف مع المدن والريف والمزارع بسهولة.
ورغم حجمه الصغير، يلعب دورًا مهمًا في البيئة. فهو يتغذى على الحشرات ويساعد في نشر البذور، مما يجعله جزءًا مهمًا من التوازن الطبيعي. وربما أجمل ما فيه أنه يحب العيش قرب البشر، ويستطيع أن يحوّل أي سماء عادية إلى لوحة فنية متحركة.


