الرئيسيةآراءمارك توين.. الأديب الذي فرضنا عليه "السخرية" فرضًا

مارك توين.. الأديب الذي فرضنا عليه “السخرية” فرضًا

لو وضع أي طالب أو باحث اسم الأديب الأميركي مارك توين على غوغل فسيجد أن من يوصف بـ”أبي الأدب الأميركي” قد لصقت به صفة “الساخر”، وهي صفة قديمة له في الكتابات العربية، وليست من منتجات الإنترنت ومحركات البحث، إذ عرفتها الصحافة والمجلات الورقية منذ زمن بعيد، ثم توارثتها الكتابات اللاحقة حتى أصبحت أشبه بجزء من اسمه.

لكن هل كان مارك توين حقًا “كاتبًا ساخرًا” بالمعنى الذي يفهمه القارئ العربي اليوم؟

من الواضح أن صفة “ساخر” ليست من ابتكار الكتّاب العرب، وإنما هي منقولة من الصفات التي كان توين يوصف بها في الكتابات الإنجليزية، ومن هنا يبرز احتمال وجود التباس قديم في ترجمة واحد من أهم المصطلحات الأدبية في اللغة الإنجليزية: irony.

مارك توين بزي التخرج الرسمي عند تسلمه الدكتوراه الفخرية من أوكسفورد

لا خلاف أن مارك توين كان صاحب حس فكاهي استثنائي، حيث تصفه “الموسوعة البريطانية” بكلمة “humorist” أي “هزلي” إلى جانب كونه صحفيًا ومحاضرًا وروائيًا منحته جامعة أوكسفورد البرطانية الدكتوراه الفخرية في الأدب عام 1907، كما تشير إلى شهرته العالمية بوصفه صاحب أسلوب هزلي مميز. وتقول في تناولها لإرثه الأدبي إنه يُذكر قبل كل شيء بوصفه “هزلي”، لكنه كان أيضًا صاحب موقف أخلاقي وفكري وكاتبًا وروائيًا.

الناقد والباحث الأميركي لورنس بيركوف، وهو أستاذ فخري للأدب الإنجليزي في جامعة ميشيغان الأميركية، وفي دراسة متخصصة عن تقنيات توين الأدبية واللغوية، فهو لا يكتفي بالإشارة إلى استخدامه لما أسماه بالإنجليزي ” irony،”، بل يصفها بأنها “البصمة البلاغية الأكثر تميزًا” في كتاباته. والأهم أنه يميز بينها وبين أدوات متداخلة معها مثل sarcasm وsatire، أي التهكم والهجاء الساخر.

غير أن الهزل ليس سخرية، والسخرية ليست هي irony.

وهنا تبدأ مشكلة الترجمة.

سخرية القدر

تُترجم كلمة irony إلى العربية كثيرًا بـ”السخرية” أو “التهكم”، مع أن أيًا من الكلمتين لا يؤدي معناها في جميع السياقات. فالـ irony تقوم أساسًا على التناقض أو المفارقة بين الظاهر والحقيقة، أو بين المتوقع وما يحدث بالفعل. وتعرّفها الموسوعة البريطانية بوصفها أداة لغوية وأدبية يُخفى فيها المعنى الحقيقي أو يناقض المعنى الظاهر، وقد تقوم كذلك على التعارض بين ما يتوقع وقوعه وما يقع فعلًا.

وأوضح مثال عربي ربما يكون التعبير الذي نستخدمه جميعًا: “سخرية القدر!”.

فالقدر هنا لا يلقي نكتة، ولا يتهكم على أحد. إننا نصف مفارقة عجيبة بين ما توقعناه وما انتهت إليه الأحداث. ولذلك ربما كانت كلمة “مفارقة” في كثير من السياقات أقرب إلى irony من كلمة “سخرية” التي تدرجها معظم القواميس العربية خطأً كأول معنى لكلمة irony.

وهذه النقطة مهمة جدًا عند قراءة مارك توين، وهذا التمييز ضروري، لأن العربية كثيرًا ما تدفع هذه المفاهيم المختلفة إلى سلة لغوية واحدة عنوانها “السخرية”.

كان توين يستطيع أن يكتب شيئًا مضحكًا، وأن يهجو ظاهرة اجتماعية، وأن يستخدم تهكمًا لاذعًا، وأن يبني في الوقت نفسه موقفًا كاملًا على المفارقة.

مارك توين نشر أعمالاً جادة أخفى فيها هويته

وصف أم تصنيف؟
هذه أدوات متقاربة ومتداخلة، لكنها ليست مترادفات. وتشير دراسة بيركوف إلى أن الهزل عند توين كان أحيانًا غاية في ذاته، لكنه كثيرًا ما كان وسيلة تحمل وراءها جدية أعمق. وهنا ربما وقع التحول في العربية: من وصف الأسلوب إلى تصنيف الكاتب.

وهنا تبرز فرضية قد تستحق التوقف عندها: هل كان للترجمة دور في بخس مارك توين حقه، واختزاله في صورة الكاتب الذي يُضحك الناس لا أكثر؟

ما يدفع إلى طرح هذا السؤال أن كلمة irony، التي عدّها بعض النقاد أبرز بصمات مارك توين البلاغية، تُقدَّم -كما أسلفنا- في كثير من الترجمات والقواميس الإنجليزية-العربية بمقابل مباشر هو “السخرية”، في حين أن الكلمة الإنجليزية أوسع من ذلك، ولا تعني بالضرورة الاستهزاء أو الإضحاك.

إذا كان ironic وirony قد تُرجما في وقت مبكر إلى “ساخر” و”سخرية”، فمن السهل أن ينتقل الوصف بمرور الزمن من قولنا إن الكاتب “يستخدم السخرية” إلى العبارة المختصرة: “الكاتب الساخر مارك توين”. ثم تتكرر العبارة جيلًا بعد جيل حتى تتحول من ترجمة قابلة للنقاش إلى حقيقة لغوية تبدو بديهية.

ورغم أننا نتحدث عن فرضية، إلا أنها تستحق السعي للبحث عن حقيقتها ومحاولة إثباتها عن طريق العودة إلى الترجمات والمعاجم والدوريات العربية القديمة لمعرفة متى ظهر وصف “الكاتب الساخر” بحق توين لأول مرة، وما الكلمة الإنجليزية التي كانت تُترجم حينذاك: هل كانت humorist، أم satirist، أم ironist أو ironic؟

معاناة وحكمة
ولعله من المفيد أن نذكر أن توين عانى في حياته أصلًا من اختزاله في صورة الرجل الذي يُضحك الناس لا أكثير. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أنه كان معروفًا في عصره بوصفه “هزلي”، لكنه أصبح محبطًا من نظرة الجمهور إليه باعتباره مجرد “رجل مضحك”، حتى إنه نشر بعض أعماله الأكثر جدية لاحقًا من دون ذكر اسمه.

لذلك فإن وصف مارك توين بـ”الكاتب الساخر” قد لا يكون خطاً بالضرورة -فهو مارس بالفعل الفكاهة والهجاء والنقد الساخر، ولكن من المؤكد أنه وصف ناقص، وقد يكون في العربية مضللًا إذا حمل القارئ على تصور كاتب تتمثل مهمته الأساسية في الإضحاك أو الاستهزاء.

ربما كان من الأصح أن نصف مارك توين أنه كان “ناقداً اجتماعياً”، ونشرح إرثه على أنه كان كاتبًا وروائيًا أميريكيًا عُرف بالفكاهة ووتوليف وتوظيف الأضداد لإنتاج معنى ذي وقع، كما مارس النقد اللاذع للواقع الاجتماعي والسياسي.

وإذا تأملنا مقولات أديبنا فسنجد فيها كذلك الكثير من الحكمة، وعلى سبيل المثال لا الحصر:

“كل ما تحتاجه في هذه الحياة هو الجهل والثقة بالنفس، وعندها يكون النجاح مضمونًا.”

“إذا قلت الحقيقة، فلن تضطر إلى تذكّر شيء.

“افعل الصواب دائمًا، سترضي بعض الناس وتُدهش الباقين.”

وعليه، إن كنا نسمي المتنبي “شاعر الحكمة” فلماذا لا نطلق على مارك توين “أديب الحكمة”!

أما “الكاتب الساخر” التي التصقت باسمه طويلًا، فقد تكون هي نفسها، ويا للمفارقة، واحدة من مفارقات الترجمة!

أحمد خليل الجنابي
أحمد خليل الجنابي
صحفي من العراق
مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر قراءة للكاتب

احدث التعليقات