ربما لم يعتقد أحد أن الغرامافون كان مقدراً له أن يترك مكانه لشريط الكاسيت وهو الذي عمّر نحو 7 عقود، إلى أن جاءت فيليبس بشريط الكاسيت الذي اختفى هو الآخر بعد ظهور الأقراص المدمجة وبعدها مشغلات الـMP3 ومنها الآيبود، ثم جاءت الهواتف الذكية التي احتوت الجميع واحتكرت الصوت والصورة معا.
وماذا عن الجرائد الورقية؟ اختفت هي الأخرى وتحولت إلى صفحات إلكترونية أخذت مكانها في أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية أيضا، ولا ننسى جهاز الراديو الذي ظهر مع انتهاء الحرب العالمية الأولى ثم انحسر تماما وإن تحول إلى البث الرقمي في أجهزة مختلفة أحدها الهاتف الذكي.
ولا تختلف قصة التلفزيون الذي بدأ في لندن عام 1936 ثم الولايات المتحدة في عام 1941، لكن انطلاقته الحقيقية كانت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في سنة 1945، وظل الجهاز ثابتا في المنزل حتى سنة 1959 عندما جرت محاولة أولى في الولايات المتحدة لتصنيع جهاز تلفزيون متنقل، تلتها شركة سوني في اليابان بعد سنة، وهي التي صنعت تلفزيون الجيب في سنة 1982.

هكذا نرى كيف تظهر الأجهزة وتختفي، لكن المحتوى ظل ثابتا وإن تغيّر شكلا، لكن تغييرا آخر يلوح في الأفق، وإن بدأت خطواته الأولى لكن مع فرق واحد؛ في السابق كانت المؤسسات الإعلامية هي التي تغيّر أساليبها ووسائلها مع التطور التكنولوجي، أما هذه المرة فالأمر مختلف تماما، فالمشاهد لم يعد يتفرج، بل صار مشاركا في هذا التحول بفضل وسائل التواصل الاجتماعي.
في الماضي كان القارئ يمسك بالجريدة فيقرأ ما تنشره، ولا يملك المشاركة إلا في حدود المراسلة البريدية وهذه عملية تستغرق وقتاً، ومع الراديو لم يختلف الأمر، كان التفاعل محدودا بمشاركات محددة تسمح بها بعض البرامج، ولم يختلف الأمر مع التلفزيون الذي كان أشد انغلاقا، فالمشاهد ينظر وهو ساكت، لا فرق في سلوكه أمام فيلم أو نشرة أخبار، بل حتى أمام برنامج ترفيهي.
لكن كان للهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي كلمة أخرى، فمع قدومها لم يعد الإنسان العادي مجرد مشاهد، وعن طريق تطبيقات التواصل أصبح بيده تسجيل محتوى وبثه في الوقت الذي يشاء، لكن ليس بالمطلق، فتلك التطبيقات فيها خوارزميات تسلط الضوء على المحتوى الذي تريد وتحجبه عما لا تريد.
إذن هناك خريطة جديدة في البث الإعلامي بدأت تتشكل، عناصرها مختلفة، الوسائل التقليدية بعد تحولها، وتطبيقات التواصل الاجتماعي مضافا إليها مشاركة الإنسان، أو تفاعله، وعامل جديد اسمه الذكاء الاصطناعي، وهو أداة تستخدمها جميع الأطراف.
هي حلقة أضعف أطرافها هو التلفزيون إذا أبقى على أسلوبه، فوسائل التواصل فتحت الباب لعشرات ملايين الأشخاص كي يبثوا مقاطع فيديو بدون توقف، ويستقطبون مشاهدين يتركون التلفزيون إما لأنهم لم يجدوا فيه ما يريدونه، أو لأن وسائل التواصل تقدم لهم تفاصيل تغيب عن التلفزيون؛ فعند وقوع حدث ما، يغطيه التلفزيون بطريقته التقليدية؛ يبعث بمراسله إلى المكان لينقل الصورة، وهكذا بضع دقائق ثم تبقى المتابعة الخبرية، لكن الموجودين هناك وبهواتفهم الذكية يستطيعون ضمان نقل الصورة والتفاصيل الجديدة باستمرار لغاية انتهاء الحدث.
هل سعى التلفزيون لإعادة استقطاب مشاهديه؟ لا يوجد دليل، بل إن الموجود هو أنه فعل العكس، فهو اكتفى بتطبيق لعرض البرامج والبث أحيانا، كما دخل موجة وسائل التواصل كمستخدم فقط، فتجد للقنوات التلفزيونية حسابات في مختلف التطبيقات، وتعرض أخبارها وهي مصطفة مع بقية الحسابات، وهنا يفقد التلفزيون ريادته ببساطة شديدة، لأن إدارة تحريره لا تتحكم في الخط التحريري الموجود في التطبيق، بل تخضع لرئيس تحرير آخر هو ليس إنسانا، بل مجرد خوارزميات تتولى ترتيب المحتوى وفق آلياتها.

هل يفقد التلفزيون حريته؟
نعم إذا استمرّ الحال هكذا، أما إذا بحث القائمون على العمل التلفزيوني عن طرق تضمن بقاء البث التلفزيوني في الريادة وليس مجرد مستخدم في تطبيق ذكي قد يختفي يوما ويترك مكانه لتطبيق أحدث، فإن النجاح مؤكد، بشرط واحد وهو التخلي عن الفكرة الشائعة بأن التلفزيون سيختفي، إذ يجب التفريق بين التلفزيون كجهاز وبينه كمحتوي، فالجهاز سيتغير حتما، أما المحتوى فهو كالسائل يأخذ شكل الإناء الذي يحتويه.
ستتغير آليات إيصال الخبر، لكنه لن يتغير، وسيحتد التنافس بين هذه الأطراف، ولا نعرف حتى الآن كيف سيتطور الذكاء الاصطناعي، فربما يستقل ويصبح جهازا منفصلا لبث الأخبار بطريقته، لكن الأمر يبقى بيد الإنسان، على الأقل في المستقبل القريب، للتحكم في وسائل الاتصال.


